
الاقتصاد الأزرق.. كأداة لتحقيق التنمية المستدامة وركيزة أساسية لبناء نموذج تنموي جديد لليبيا
بقلم: الدكتور جمال مفتاح العماري - باحث في القانون الدولي العام
تزيد الاهتمام بالمحيطات والبحار في العالم بشكل متسارع لما تحتويه من كم هائل من الموارد الاقتصادية التي من شانه أن تعمل على تنويع مصادر الدخل، وتحسين مستوي المعيشة وتحسين الدخل والوظائف، وإيجاد الملايين من فرص العمل حول العالم، وقد انعكس ذلك في مبادرات شتى للجان التابعة للأمم المتحدة انبثاق عنها مفهوم جديد لاقتصاد قدر على تحقيق الإدارة السليمة للمسطحات المائية في العالم، وهو “الاقتصاد الأزرق- Blue economy ” .
ويعد الاقتصاد الأزرق مصطلح جديد نسبيا وقد أصبح مطروحا في كثير من الدول كقطاع يوفر فرص استثمار الثروة المائية للدول المطلة علي البحار والمحيطات، وفي نفس الوقت تحرص الدول علي المحافظة على الثروة المائية المتمثلة في البحار والمحيطات من خلال حزمه ملفات تكفل تحقيق التنمية المستدامة. فمن الأهداف التي اعتمدتها الأمم المتحدة ضمن خطة التنمية المستدامة لعام 2030، هناك هدف مستقل يسعى إلي الاستخدام المستدام والحفاظ علي الحياة تحت سطح الماء وهو الهدف الربع عشر (14): ” الحفاظ علي المحيطات والبحار والموارد البحرية واستخدامها بشكل مستدام لتحقيق التنمية المستدامة “.
وبالمفهوم الواسع: هو” الاقتصاد الذي يتعامل مع أزمة المياه العالمية، واقتصاد تنموي مبتكر، وتنمية الاقتصاد البحري”. وهكذا يعتقد المجتمع الدولي أن الاقتصاد الأزرق يغطي ثلاثة أشكال اقتصادية.
ووفقا لتقرير البنك الدولي لعام 2021 عن الاقتصاد الأزرق: ” إن الاقتصاد الأزرق يولد 6 تريليون دولار أمريكي للاقتصاد العالمي سنوياً، وهذا الرقم قابل للزيادة سنويا، فأكثر من ثلاثة مليار شخص حول العالم يعتمدون على الحياة البحرية بشكل أو بأخر في حياتهم اليومية والاقتصادية تحديدا، وتغطي البحار والمحيطات أكثر من ثلاث أرباع العالم، وتوفر أكثر من نصف الأكسجين في العالم.
ويمكن القول بات موضوع الاقتصاد الأزرق حيويا ومستقبليا من حيث الاستثمار فيه، فقد اتجهت العديد من الدول والمنظمات إلى بناء خطط واستراتيجيات مستقبلية في هذا الإطار وتفعيل الدور الحيوي له، من حيث دراسة الفرص الممكنة وكيفية بناء أفكار جديدة ومنتجات حيوية، وبما أن ليبيا بحاجة إلى تنويع مصادر الدخل بعيدا عن النفط، وٕإيجاد مصادر أكثر ديمومة للاقتصاد الوطني حتى تجعله مبنيا على قاعدة متنوعة من الموارد، وعلى هذا الأساس، فقد أصبح من الضروري على الدولة الاستفادة إلى أقصى حد من إمكانيات إقليمها البحري، وذلك بتطبيق مفهوم الاقتصاد الأزرق كأساس للتنويع الاقتصادي والنمو المستدام وحماية البيئة.
ولان ليبيا مؤهلة لتطوير مجالات وأنشطة “الاقتصاد الأزرق بكفاءة واستغلالها الاستغلال الأمثل، لكونها تتمتع بموقع جيو-استراتيجي متميز، أي أنها مطلة على البحر الأبيض المتوسط ومتوفرة على أطول ساحل في الشمال الأفريقي ( قرابة 1900 كم)، كما يمكنها استهداف وتطوير الثروة البحرية من خلال تنفيذ العديد من المشاريع التنموية في هذا المجال، كالموانئ والأسواق ومخازن التبريد وتطوير أسطول الصيد، وكذلك الاستزراع السمكي وتنشيط الصادرات ما سيضع الدولة من بين الدول المهمة في الإنتاج السمكي، وبذلك تستطيع تحقيق نمو اقتصادي مع المحافظة على الموارد سواء سمكية أو طبيعية أو مائية مع توفير فرص عمل للمواطنين.
كما أن الاقتصاد الأزرق يتميز بعدة ايجابيات لخدمة الاقتصاد الوطني على رأسها: خلق فرص بيئية للجيل الحالي، خدمة مفهوم التنمية المستدامة بكافة أوجهها ودعم المشروعات الصغيرة لتوفير موارد جديدة، بالإضافة إلى توفير فرص وظيفية عبر تحفيز ريادة الأعمال وخلق برامج عملية مبتكرة، من خلال إستراتيجية التنمية البحرية وتطوير موارد الطاقة بالبحار، خاصة وان من التجارة العالمية تتم عبر البحر، فضلا إلى استغلال الثروة السمكية والتعدين. من اجل الاستفادة واستكشاف مزيد من الفرص في مجال الاستثمار والسياحة والسلامة البيئية والملاحية في البحر المتوسط، وأيضا نظرا لأهمية الموارد البحرية في تنمية الاقتصاد الوطني وخدمة لأصحاب المشاريع المتوسطة والصغيرة، ولذلك، يجب على الدولة التأكيد على تعميق شراكة المؤسسات الخاصة مع المؤسسات العامة، وذلك لأهمية الدور الذي يلعبه القطاع الخاص من تبادل للخبرات والتقنيات والدراسات.
ووفق تلك الرؤية تظهر أهمية الاستثمار في الاقتصاد الأزرق بأنواعه المختلفة في حل المشاكل التي تعاني منها الدول النامية بشكل عام، وليبيا بشكل خاص، إضافة لما سيوفره الاستثمار في الاقتصاد الأزرق من فرص المساهمة في تحقيق الأمن الغذائي وتحسين مستوي المعيشة، وتوفير فرص العمل والسلامة وتحقيق التنمية المستدامة. وهذا ما یدفعنا إلى طرح تساؤل حول مدى استعداد ليبيا لتفعيل وتطوير مشاريع الاقتصاد الأزرق لتحقيق التنمية المستدامة؟.
الدكتور جمال مفتاح العماري
باحث في القانون الدولي العام


